صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

226

شرح أصول الكافي

واعلم أن المدارك منحصرة في العقل والخيال والحس والعوالم أيضا منحصرة في ثلاثة : أعلاها العالم العقلي وهو عالم القضاء وأوسطها العالم المثالي وهو العالم القدري وأدناها العالم الحسى وهو العالم المادي الظلماني ، والانسان الكامل يدرك بعين عقله المعقولات وبعين خياله المثاليات وبعين حسّه الجزئيات المادية . ثم أورد لتوضيح ما افاده من صفة الصور الكونية التي في هذا العالم الأسفل أمثلة جزئية بقوله : من انس وجن وطير وسباع وغير ذلك مما يدرك بالحواس ، ثم راجعا إلى ما ذكره سابقا : من أن البداء لا يكون الا قبل الوقوع في الكون الخارجي ، بل انما يقع في عالم التقدير تأكيدا بقوله : فلله تبارك وتعالى فيه البداء ، اى فيما من شأنه ان يدرك بالحواس ولكن عندما لم يوجد عينه الكوني ، فاما إذا وقع العين الكوني الخارجي من المفهوم المدرك فلا بداء بعد خروجه عن عالم التقدير إلى عالم التكوين . قوله : والله يفعل ما يشاء ، اى يفعل في عالم التكوين ما يشاء في عالم التصوير والتقدير . ثم استأنف كلاما في توضيح تلك المراتب السابقة على وجود الافعال الخارجية والأكوان المادية وخاصية كل منها بقوله : فبالعلم علم الأشياء ، علما أزليا ذاتيا إلهيا أو عقليا قضائيا : قبل كونها ، في عالمي التقدير والتكوين : وبالمشيئة عرف صفاتها ، الكلية : وحدودها ، الذاتية وطبائعها الكلية وصورها العقلية ، فان المشيئة متضمنة للعلم بالمنشإ قبل وجوده في الخارج ، بل المشيئة إنشاء للشئ إنشاء علميا كما أن الفعل إنشاء له إنشاء كونيا جسمانيا ولذا قال : وأنشأ قبل اظهارها ، اى في الخارج على المدارك الحسية . وقوله : بالإرادة ميز أنفسها في ألوانها وصفاتها ، لان الإرادة كما مر هي العزم التام على الفعل بواسطة صفة مرجحة يرجح أصل وجوده أو نحوا من انحاء وجوده ، فبها يتميز الشيء في نفسه فضل تميز لم يكن قبل الإرادة . وقوله : وبالتقدير قدر أقواتها وعرف أولها واخرها ، لأنه قد مر ان التقدير عبارة عن تصوير الأشياء المعلومة أولا على الوجه العقلي الكلى ، جزئية مقدرة باقدار معينة